سيد محمد طنطاوي

19

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ذكر له - سبحانه - ما هو أعجب مما سأل عنه فقال : * ( وقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئاً ) * . أي : لا تعجب يا زكريا من أن يأتيك غلام وأنت وزوجك بتلك الحالة ، فإني أنا اللَّه الذي أوجدتك من العدم ، ومن أوجدك من العدم ، فهو قادر على أن يرزقك بهذا الغلام المذكور . فالآية الكريمة قد ساقت بطريق منطقي برهاني ، ما يدل على كمال قدرة اللَّه - تعالى - وما يزيد في اطمئنان قلب زكريا - عليه السلام - . ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما التمسه زكريا - عليه السلام - من خالقه فقال : * ( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً . . . ) * . أي : اجعل لي علامة أستدل بها على وقوع ما بشرتني به ، لأزداد سرورا واطمئنانا . ولأعرف الوقت الذي تحمل فيه امرأتي بهذا الغلام فأكثر من شكرك وذكرك . فأجابه اللَّه - تعالى - بقوله : * ( قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ) * . أي : قال اللَّه - تعالى - لعبده زكريا : يا زكريا . علامة وقوع ما بشرتك به ، أنك تجد نفسك عاجزا عن أن تكلم الناس بلسانك ، لمدة ثلاث ليال بأيامهن حال كونك سوى الخلق ، سليم الحواس ليس بك من خرس ، أو بكم ، ولكنك ممنوع من الكلام بأمرنا وقدرتنا على سبيل خرق العادة . فقوله : * ( سَوِيًّا ) * حال من فاعل « تكلم » وهو زكريا أي : حال كونك يا زكريا سوى الخلق ، سليم الجوارح ، لا علة تمنعك من ذلك سوى قدرتنا . ثم بين - سبحانه - ما كان من زكريا بعد ذلك فقال : * ( فَخَرَجَ عَلى قَوْمِه مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ) * . والمحراب : المصلى ، أو الغرفة التي كان يجلس فيها في بيت المقدس ، أو هو المسجد ، فقد كانت مساجدهم تسمى المحاريب . لأنها الأماكن التي تحارب فيها الشياطين . أي : فخرج زكريا - عليه السلام - على قومه من المكان الذي كان يصلى فيه ، * ( فَأَوْحى إِلَيْهِمْ ) * أي : فأشار إليهم أو كتب لهم دون أن ينطق بلسانه * ( أَنْ سَبِّحُوا ) * اللَّه - تعالى - وقدسوه * ( بُكْرَةً ) * أي : في أوائل النهار * ( وعَشِيًّا ) * أي : في أواخره . وقد ذكر - سبحانه - في آية أخرى ، ما يشير إلى أن هذا المحراب الذي خرج منه زكريا - عليه السلام - على قومه . هو ذلك المكان الذي بشره اللَّه - تعالى - فيه بيحيى . قال - تعالى - : فَنادَتْه الْمَلائِكَةُ وهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّه يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ،